الشيخ محمد رشيد رضا
76
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والعطش ، وتشمل كل حركة من بطشة يد أو وطئة قدم ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ هذا تعليل لهذا الاجر العظيم يدل على عموم الحكم ، وإن كان من المعلوم بالضرورة ان هذا الجهاد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعظم اجرا ، وأنفس ذخرا ، قال قتادة : ان حكم الآية خاص به صلّى اللّه عليه وسلّم وبمن جاهد معه ، وقال الأوزاعي وعبد اللّه بن المبارك وغيرهما من علماء التابعين : هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة . وهذا القول أصح ، على ما لا يخفى من التفاوت في الاجر ، فالجهاد في سبيل اللّه إحسان ، و ( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ) ؟ في كل زمان ومكان * * * وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أي كذلك شأنهم فيما ينفقون في سبيل اللّه صغر أم كبر ، قل أم كثر ، وفي كل واد يقطعونه في سيرهم غادين أو رائحين ( وهو مسيل الماء في منفرجات الجبال وأغوار الآكام ، خصه بالذكر لما فيه من المشقة ) لا يترك شيء منه أو ينسى بل يكتب لهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ بكتابته في صحف أعمالهم أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وهو الجهاد ، فإنه عند وجوبه وفرضيته بالاستغفار له يكون أحسن الاعمال ، إذ يتوقف عليه حفظ الايمان ، وملك الاسلام ، وجميع ما يتبعهما من فضائل الاعمال ، يقال جزاه العمل وجزاه به . كما قال ( ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) والنص على جزائهم أحسن ما كانوا يعملون لا ينافي جزاءهم بما دونه وقد قال آنفا ( إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) وهو فيه ، وانما المراد النص على أن هذا العمل أحسن أعمالهم أو من أحسنها لأنه جمع بين الجهاد بالمال والجهاد بالنفس وما قبله من الثاني فقط ، والجزاء على الأحسن يكون أحسن منه على قاعدة ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ) * وبيان ذلك بقاعدة ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) وقال بعضهم إن معنى الجملة أنه تعالى يجزيهم بكل عمل مما ذكر أحسن جزاء على أعمالهم الحسنة ، اي في غير الجهاد بالمال والنفس ، بأن تكون النفقة الصغيرة فيه كالنفقة الكبيرة في غيره من المبرات . والمشقة القليلة فيه كالمشقة الكثيرة فيما عداه من الاعمال الصالحات .